الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى

مقدمة 40

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز

مع كتب المختصرات في التراث السردى العربي الوسيط ( 56 ) . وتبرز تقنية الحذف في استبعاد الطهطاوي لكثير من الأشعار - مقطوعات كانت أم قصائد - التي قدمها ابن هشام وغيره من كتاب النمط المطول من السيرة كابن سيد الناس ، دون أن يمنعه هذا من توظيف الشعر وظائف مختلفة في سيرته . ويبدو أن تلك التقنية كانت تمارس فاعليتها في كتابة الطهطاوي اعتمادا على عنصر الحذف في عدد من المواضع التي كانت كتابات السيرة السابقة تستخدم فيها عناصر تشويق تدفع المتلقى إلى متابعة السرد ؛ ففي سرده أخبار حفر عبد المطلب بئر زمزم حذف كل المرويات التي قدمتها السير السابقة ، والتي جعلت من ذلك الفعل استجابة لرؤيا رآها عبد المطلب ( 57 ) . كما تجلى النمط نفسه في حذفه لعدد من النبوات المرتبطة بوقائع غزوة بدر ( وهذا ما سيتضح تفصيلا في فقرة تالية ) . وإذا كان ارتكان الطهطاوي إلى تقنية الحذف والإيجاز يقرنه بطرائق كتابة الرواية التاريخية في مرحلته التاريخية - الأدبية فإن حضور تلك التقنية في كتابة الطهطاوي إنما كان يقترن بتغييبه تقنية الاستطراد ، بينما يمثل حضور تقنية الاستطراد دالا على فعالياتها المختلفة عن فاعلية تقنية الحذف والإيجاز . ( 3 / 5 ) الاستطراد تقنية سردية محورية اعتمد عليها الطهطاوي في تشكيله لمتن السيرة النبوية ، وتقوم تلك التقنية على تطرق الطهطاوي - والّذي يمثل نمط الراوي المفارق لمرويه - إلى بعض الجوانب الفرعية التي تتصل بالوقائع أو الشخصيات أو المواقف التي يدور حولها السرد . ويقوم الاستطراد على تصور الراوي وجود صلة بين ما يحكيه وما يستطرد إليه ، دون أن يتطلب السياق السردى الاتكاء على هذه الصلة في الموضع الّذي يبرز فيه الاستطراد . وتبدو الصلة واضحة بين هذه التقنية لدى الطهطاوي ومفهومها الّذي استقر لدى كثير من النقاد والبلاغيين العرب ؛ إذ تحدد الاستطراد لديهم بأنه ( أن يأخذ المتكلم في معنى فبينا يمر فيه يأخذ في معنى اخر وقد جعل الأوّل سببا فيه ) ( 58 ) مما يشير إلى أن الصلة الفكرية أو الشعورية بين المعنيين - والتي قد ترتد إلى التقاليد الجمالية والثقافية أو إلى إرادة المتكلم - هي